الفصل الرابع: تحليل الأسهم

المقدمة التحليل الكمِّي: الاستثمار في الأرقام

التحليل المالي: الاستثمار في الشركة

إذا كان شراء سهم يمثل حصة ملكية شركة أو مشروع تجاري، فمن المنطقي لكي نتعرف على قيمة السهم أن نحدد قيمة تلك الشركة أو ذلك المشروع. وبشكل عام فإن المستثمرين يقومون بذلك عن طريق فحص قوائم الشركة المالية وتقسيمها على عدد الأسهم لمعرفة حصة حامل كل سهم من أعمال الشركة وبالتالي من قيمتها. هذا الأسلوب يُعرف بالتحليل "الأساسي" أو التحليل "المالي"، وينظر الكثير إليه على أنه النوع الوحيد المنطقي والمقبول لتحليل الأسهم.

وعلى الرغم من أن تحليل شركة ما قد يبدو أمراً سهلا وواضحاً، إلا أن هناك مدارس كثيرة للتحليل الأساسي. وفي النهاية يتوصل معظم المستثمرين إلى أسلوبهم الخاص الذي قد يكون مزيجاً من المدارس المختلفة.

ومن أبرز مدارس التحليل الأساسي هما مدرسة القيمة ومدرسة النمو. وفي الوصف التالي سنتطرق إلى هاتين المدرستين والفرق بينهما بالإضافة إلى إدراج مدرسة ثالثة أقل انتشاراً تسمى مدرسة الدخل. ولكن يجب أن تكون حذراً عندما تجد مستثمراً آخر يتطرق لهذه المفاهيم للتأكد من تطابق منظوره مع ما نورده أدناه (نظراً للمجال الواسع للاختلاف).

 القيمة

هدف مستثمر القيمة هو المقارنة بين قيمة الشركة في السوق وقيمتها الفعلية (أو التقديرية، حيث أن تحديد القيمة "الفعلية" لا يعدو كونه حساباً تقديرياً)، وذلك بتقدير القيمة التي ستحصل عليها الشركة لو تم بيعها أو تصفيتها غداً، فيقوم بشراء أسهم الشركات التي يرى أن سعرها في السوق أقل من قيمتها الفعلية، وبالمقابل يبيع سهم الشركة التي يرى أن سعرها السوقي تجاوز قيمتها الفعلية.

وبهذا يمكن القول أن جميع المستثمرين هم مستثمري "القيمة" بدرجة أو بأخرى أذ أن الكل يهدفون لشراء السهم بسعر أقل من قيمته الفعلية. ولكن مستثمرو القيمة الفعليون هم الذين يركّزون على القيمة التقديرية للشركة في حال ما تم تصفيتها أو بيعها غداً.

والشخص الذي قدّم أساسيات مدرسة القيمة في الاستثمار هو (بنجامين جراهام) مؤلف كتاب (تحليل الأوراق المالية – Security analysis) الصادر عام 1934م (بالمشاركة مع ديفيد دود) والذي يستمر استخدامه كمرجع على نطاق واسع حتى اليوم بالإضافة إلى كتاب (المستثمر الذكي – The Intelligent Investor) والذي نشره في عام 1967م. ومن أشهر رواد هذه المدرسة في الوقت الحالي (وارين بافيت) والذي يعتبر أغنى رجل في العالم اليوم والذي كان في يوم من الأيام طالباً لدى (بنجامين جراهام).

وهؤلاء المستثمرون يميلون للموضوعية والبُعد عن العاطفية في استثماراتهم، فهم كثيراً ما يستثمرون في شركات في قطاعات مستقرة بل وغير جذابة (مثال الصناعات الثقيلة، والطاقة) ونظراً لإمكانية التكهن بمستقبلها بقدرٍ عالٍ من الوضوح، كما يميلون للاستثمار في الأسواق والشركات المنخفضة أو حتى مالية أو تجارية التي تواجه مصاعب (لطالما أنهم يرون أن الانخفاض في سعرها السوقي قد كان مبالغاً فيه بالمقارنة مع أعمال الشركة وربحيتها). وكذلك هؤلاء المستثمرون قلما يقعون في حُبّ شركاتهم فلا يترددون في بيع أسهمها متى ما أصبح سعرها مرتفعاً بالمقارنة مع قيمة أعمالها. وهم في ذلك يتّبعون معايير صارمة في تقريرهم لشرائهم أسهم في شركة ما، وعادة تكون تلك المعايير مبنية على العلاقة بين سعر السوق الحالي لأسهم الشركة وبين أداء الشركة المالي. ومن الأمثلة على تلك المعايير:

• مكرر الأرباح (P/E) والذي يشير إلى العلاقة بين أرباح الشركة في العام الماضي و سعر سهمها الحالي. حيث يمثّل كم سنة ينبغي أن تملك السهم لتتمكن من استعادة سعر شراؤه الحالي فقط من أرباح الشركة (على افتراض استمرار نفس الأرباح في المستقبل). و هو من أهم معايير القيمة إذ ينبغي أن يكون أقل من معدل معيّن. والبعض يقولون في هذا الصدد أن المعدل المرغوب لمكرر الأرباح يُفضّل أن يكون أقل من 10 كما لا ينبغي أن يزيد عن 20، إلا أن هذه المعايير قد تختلف بناءً على قطاع الشركة (فبعض القطاعات كالتقنية والبرمجيات تتسم بمكررات أرباح عالية، بينما قطاعات أخرى كالإسمنت والحديد تتسم عادة بمكررات أربح منخفضة). كما أن حساب مكرر الأرباح ينبغي أن ينظر للأرباح التي يتوقع لها المستثمر كل سنة، وبالتالي ينبغي استبعاد الأرباح الاستثنائية وغير المتكررة (كبيع قطعة أرض، إلا إذا كانت الشركة تعمل في مجال التطوير العقاري)، إذ أن إدراج الأرباح الاستثنائية أو غير المتكررة قد يعطي انطباعاً خاطئاً أن مكرر الربحية منخفض. كما أن مكررات الأرباح تكون أقل فائدة إذا كان المرء يتوقع انخفاضاً في أرباح الشركة المستقبلية.

مثال:
سعر سهم ما هو 120 ريال، وكانت أرباح الشركة للسهم الواحد تعادل 20 ريال.

مكرر الأرباح = السعر السوقي للسهم ÷ أرباح الشركة للسهم الواحد
= 120÷ 20
= 6

• العائد على الأرباح الموزعة (Dividend Yield) والذي يمثل نسبة العائد التي يشكلها الربح الموزع على السهم بالنسبة إلى سعر السهم الحالي. و هو معيار ذا أهمية بالغة لمستثمري الدخل (الذين سنتطرق لهم بعد قليل) أو الذين لا ينوون بيع أسهمهم. وينبغي أن يزيد عن نسبة معيّنة. والرأي الدارج أن الشركة الجذابة من منظور القيمة تحقق أرباحها الموزعة عائداً سنوياً على سعر السهم يجاري أو يفوق العائد على الودائع أو المرابحات (والذي يبلغ حالياً حوالي 4% سنوياً). ولكن كما ذكرنا في النقطة السابقة فإن معدل العائد على الأرباح الموزعة يختلف بحسب القطاع حيث يكون أقل من الشركات عالية النمو وأكثر من الشركات الناضجة والاقل نمواً. كما أنه ينبغي النظر فقط للأرباح الموزعة على الأنشطة الأساسية واستبعاد الأرباح الموزعة على الأرباح الاستثنائية وغير المتكررة.

مثال:
استلم مستثمر حصة أرباح سنوية لسهم ما تعادل 10 ريالات للسهم، وكان سعر السهم آنذاك 112 ريال
.

العائد على الأرباح الموزعة = الأرباح الموزعة للسهم الواحد ÷ السعر السوقي للسهم × 100%
= 10 ÷ 112 × 100%
= 8.93%

• مضاعف القيمة السوقية إلى القيمة الدفترية (P/B) والذي يمثل الفرق بين بين قيمة الشركة المحاسبية الناتجة عن أصولها الفعلية وبين القيمة السوقية للشركة التي يمثلها سعر السهم و التي تشمل الأصول غير المحسوسة (كالعلامات التجارية) و التوقعات المسقبلية. ويحبذ مستثمرو القيمة أن يكون هذا المضاعف أقل من معدل معيّن. وبصفة عامة، فإن مستثمري القيمة يفضلون الاستثمار في الشركات التي تقترب فيها القيمة السوقية من القيمة الدفترية (أي أن مضاعف القيمة السوقية للقيمة الدفترية قريب من واحد)، أو حتى الشركات التي تقل فيها القيمة السوقية عن القيمة الدفترية (أي أن المضاعف أقل من واحد). ومن هنا يظهر أن معظم مستثمري القيمة يفضلون الأصول المادية بالمقارنة مع الأصول المعنوية (كبراءات الاختراع، والعلامات التجارية، والأسرار التجارية...إلخ) والتي قد تنعكس في القيمة السوقية ولكنها لا تظهر في القيمة الدفترية (وبالتالي فهي ترفع مضاعف القيمة السوقية إلى القيمة الدفترية). وينبغي عند استخدام هذا المقياس التأكد من أن القيمة الدفترية ليست مسجلة بأسعار عالية مما يعطي انطباعاً خاطئاً أن الشركة جذابة باستخدام هذا المقياس، بالرغم أن الحقيقة غير ذلك. ومن الأمثلة على ذلك هو في حالة الشركة التي تشتري أراضٍ ولكن قيمة هذه الأراضي تنخفض، في هذه الحالة التغيّر في سعر الأرض لن ينعكس على القيمة الدفترية لكنه سيقلل من القيمة السوقية وبالتالي قد يعطي انطباعاً خاطئاً أن هذه الشركة جذابة.

مثال:
القيمة الدفترية لسهم ما هي 25 ريال وسعر السهم في السوق تعادل 45 ريال.

مضاعف القيمة السوقية إلى القيم الدفترية = السعر السوقي للسهم ÷ القيمة الدفترية للسهم
= 45 ÷ 25
= 1.8

بالإضافة إلى المعايير الواردة بعاليه، هناك معايير مصاحبة تستخدم لتحليل الربحية والتأكد من دقة معايير التقييم الوارد ذكرها اعلاه:

• العائد على حقوق المساهمين (ROE) والذي يمثل مدى كفاءة الشركة في تحويل الأموال المستثمرة فيها إلى أرباح. و هو من المقاييس الأساسية للربحية. والمستهدف فيه يختلف بحسب قطاع الشركة ومجال عملها، وينبغي أن يكون أعلى عادة في القطاعات النامية أو التذبذبة، ولكن لا ينبغي في حال من الأحوال أن يقل العائد على حقوق المساهمين عن العائد التي يتوقعه المستثمر من الاستثمار (أي من 8-15% كحد أدنى).

مثال:
صافي دخل شركة ما في الفترة الأخيرة كان 430 مليون ريال (حسب ماهو موجود في قائمة التدفق النقدي الأخير)، بينما كان إجمالي حقوق المساهمين للشركة 3,600 مليون ريال (حسب ماهو موجود في قائمة المركز المالي الأخير).

العائد على حقوق المساهمين = صافي الدخل ÷ إجمالي حقوق المساهمين × 100%
= 430 ÷ 3,600 × 100%
= %11.9

• هامش الربحية (Profit Margin) والذي يمثل النسبة من مبيعات الشركة التي تترجم إلى أرباح. والمستهدف في هذا المعيار أيضاً يختلف بحسب قطاع الشركة ومجال عملها، بحيث يرتفع في القطاعات ذات الميزة العالية (مثل الأدوية) فقد يتعدى 50%، بينما ينخفض في القطاعات شديدة التنافسية أو ذات الميزة النسبية المنخفضة (مثل الخدمات العامة والسلع الأساسية) بحيث قد يصل إلى 3% أو 4%، ولكن بصفة عامة من المفضل الاستثمار في الشركة التي تتمتع بأعلى هوامش ربحية في قطاعها.

مثال:
صافي دخل شركة ما في الفترة الأخيرة كان 270 مليون ريال (حسب ماهو موجود في قائمة التدفق النقدي الأخير)، بينما كان إجمالي مبيعات الشركة 1,800 مليون ريال (حسب ماهو موجود في قائمة التدفق النقدي الأخير).

هامش الربحية = صافي الدخل ÷ إجمالي المبيعات × 100%
= 270 ÷ 1,800 ×100%
= %15

 النمو

مدرسة النمو مبنيّة على فكرة أنك يجب أن تشتري أسهم الشركات التي يتوقع لها نمو عالٍ في المبيعات والأرباح. ويركز مستثمرو النمو بشكل أكبر على قيمة الشركة المسقبلية عوضاً عن قيمتها الحالية. وكما في مدرسة النمو فإن مفهوم "النمو" قد ينطبق على معظم الناس، فالقليلون جداً يرغبون بامتلاك شركات لا تنمو أبداً. وقد بدأت مدرسة النمو بمفهومها الحالي في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي مع عمل (تي. رو برايس) الذي أسس شركة صناديق استثمار تحمل اسمه، بالإضافة إلى (فيل فيشر) الذي كتب أحد أهم كتب الاستثمار (الأسهم العادية والأرباح غير العادية). كما أن مدرسة النمو هي المدرسة الغالبة لدى المستثمرين في الشركات الحديثة أو مستثمري رأس المال المُخاطر.

ومستثمرو النمو ينظرون في المقام الاول إلى جودة أعمال الشركة أو المشروع التجاري ومعدل نموها قبل أن يتخذوا قرار شرائها. وهم يميلون للشركات الجديدة والقطاعات الجديدة والأسواق الجديدة، إذ أن هذه الظروف عادة هي القادرة على تحقيق نمو سريع في المبيعات والأرباح يفوق نسبة معينة كل عام. وهم في ذلك أكثر استعداداً لشراء أسهم في شركة بسعر عالٍ لطالما شعروا أن هذه الشركة ستنمو بسرعة مما سيجعل السعر الغالي اليوم معقولاً، بل وحتى رخيصاً، بعد فترة من نمو الشركة. وبذلك فإن مستثمري النمو يركّزون أقل على القوائم المالية التي توضح الأداء اليوم، ويركّزون أكثر على المعايير الاستراتيجية والتسويقية التي يؤمنون بأنها تحدد الأداء المستقبلي (ومن الأمثلة على ذلك الشركات الدوائية التي يصعب تقييمها دون النظر إلى العلاجات الجديدة التي تقوم بتطويرها وتتوقع إطلاقها في المستقبل).

وكثيراً ما يتم النقاش عن مدرسة النمو بصفتها الضد لمدرسة القيمة، ولكن في الكثير من الأحيان تصبح التفرقة بين المدرستين صعبة. ولذا فقد أوردنا في الجدول أدناه نظرة مقارنة لمدرسة القيمة ومدرسة النمو.

 مرفق 4-1: مقارنة بين مدرسة القيمة ومدرسة النمو في التحليل المالي

وكثيراً ما يتم النقاش عن مدرسة النمو بصفتها الضد لمدرسة القيمة، ولكن في الكثير من الأحيان تصبح التفرقة بين المدرستين صعبة. ولذا فقد أوردنا في الجدول أدناه نظرة مقارنة لمدرسة القيمة ومدرسة النمو.

أما من ناحية الاداء فإن الجدل كان أكثر ضراوة عن أي المدرستين حققت عوائد أفضل على مر الزمن. والذي نجده أن أداؤهما متقارب بصفة عامة، وأن الفارق الأساسي بينهما من حيث الأداء هو أن لمدرسة النمو القليل من الميزة عندما تكون الأسواق الصاعدة، بينما مدرسة القيمة تحقق نتائج أفضل قليلاً خلال الأسواق المنخفضة أو الثابتة. وفي الرسم البياني التالي نُظهر كلاً من أداء مدرسة النمو ومدرسة القيمة في السوق الأمريكي عبر السنوات الخمس الماضية (أي منذ 2003م).

 رسم 4-1: مقارنة بين أداء مدرسة القيمة ومدرسة النمو في العالم

 المصدر: MSCI من 12 مارس 2003 إلى 12 مارس 2008

 الدخل

على الرغم من أن معظم الناس يشترون الأسهم أملاً في زيادة سعرها في المستقبل، إلا أن هناك أيضاً أشخاص يقومون بشراء الأسهم للحصول على الأرباح الموزعة منها في المقام الأول. وهؤلاء هم مستثمري الدخل الذين كثيراً ما يتنازلون عن الشركات التي يتوقع لأسهما الصعود في سبيل الشركات ذات الأرباح الموزعة العالية، والتي عادة تعمل في القطاعات بطيئة النمو. فهؤلاء المستثمرين يركزون على الشركات التي توزع أرباحاً عالية مثل شركات المرافق والكهرباء والإسمنت، كما أنهم قد يستثمرون في شركات تمرّ بمشاكل تجارية تؤدي لهبوط سعر أسهمها لدرجة تجعل معدل العائد على الأرباح الموزعة عالياً، وهم في ذلك يقتربون من مساهمي القيمة.

الجدل حول التحليل الأساسي. المستثمرين الذين لا يستخدمون التحليل الأساسي (على اختلاف مدارسه) لديهم حجتان ضد هذا النوع من التحليل. أولهما هي أنهم يعتقدون أن هذا النوع من التحليل مبنى على معلومات يعرفها مسبقاً جميع المستثمرين الآخرين في أسواق الأسهم، لذا فإن هذا التحليل لن يقدم لصاحبه أي ميزة حقيقة عن غيره من المستثمرين. وإذا لم يمَكّنك التحليل الأساسي من الحصول على ميزة نسبية عن المستثمرين الآخرين فهو يصبح غير ذي جدوى. والحجة الثانية هي أن معظم المعلومات الأساسية "مشوشة" أو "تقديرية" بمعنى أن الأمر يرجع إلى الشخص الذي ينظر إليها ليفسر مغزاها. ولذا يقول المشكّكون أنه على الرغم من أن الأفراد المتخصصين والموهوبين يمكنهم أن ينجحوا باستخدام هذا النوع من التحليل فإن الشخص العادي لن يتمكن من الاستفادة من هذا الأسلوب.

 

مقدمة التحليل الكمِّي: الاستثمار في الأرقام

 

 

الحقوق محفوظة لشركة دراية المالية 2010 م